ابن كثير
125
البداية والنهاية
فقال : إنهما لم يصيبا ، وإني أرى أن تبعث سرية فتحدق بهم ويناوشوهم بالقتال ويحمشوهم فإذا برزوا إليهم فليفروا إلينا هرابا ، فإذا استطردوا وراءهم وانتموا إلينا عزمنا أيضا على الفرار كلنا ، فإنهم حينئذ لا يشكون في الهزيمة فيخرجون من حصونهم عن بكرة أبيهم ، فإذا تكامل خروجهم رجعنا إليهم فجالدناهم حتى يقضي الله بيننا . فاستجاد الناس هذا الرأي ، وأمر النعمان على المجردة القعقاع بن عمرو ، وأمرهم أن يذهبوا إلى البلد فيحاصروهم وحدهم ويهربوا بين أيديهم إذا برزوا إليهم . ففعل القعقاع ذلك ، فلما برزوا من حصونهم نكص القعقاع بمن معه ثم نكص ثم نكص فاغتنمها الأعاجم ، ففعلوا ما ظن طليحة ، وقالوا : هي هي ، فخرجوا بأجمعهم ولم يبق بالبلد من المقاتلة إلا من يحفظ لهم الأبواب ، حتى انتهوا إلى الجيش ، والنعمان بن مقرن على تعبئته . وذلك في صدر نهار جمعة ، فعزم الناس على مصادمتهم ، فنهاهم النعمان وأمرهم أن لا يقاتلوا حتى تزول الشمس ، وتهب الأرواح ( 1 ) ، وينزل النصر كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل . وألح الناس على النعمان في الحملة فلم يفعل - وكان رجلا ثابتا - فلما حان الزوال صلى بالمسلمين ثم ركب برذونا له أحوى قريبا من الأرض . فجعل يقف على كل راية ويحثهم على الصبر ويأمرهم بالثبات ، ويقدم إلى المسلمين أنه يكبر الأولى فيتأهب الناس للحملة . ويكبر الثانية فلا يبقى لاحد أهبة ، ثم الثالثة ومعها الحملة الصادقة . ثم رجع إلى موقفه . وتعبت الفرس تعبئة عظيمة واصطفوا صفوفا هائلة . في عدد وعدد لم ير مثله ، وقد تغلغل كثير منهم بعض في بعض وألقوا حسك الحديد وراء ظهورهم حتى لا يمكنهم الهرب ولا الفرار ، ولا التحيز . ثم إن النعمان بن مقرن رضي الله عنه كبر الأولى وهز الراية فتأهب الناس للحملة ، ثم كبر الثانية وهز الراية فتأهبوا أيضا ، ثم كبر الثالثة وحمل وحمل الناس على المشركين وجعلت راية النعمان تنقض على الفرس كانقضاض العقاب على الفريسة ، حتى تصافحوا بالسيوف فاقتتلوا قتالا لم يعهد مثله في موقف من المواقف المتقدمة ، ولا سمع السامعون بوقعة مثلها ، قتل من المشركين ما بين الزوال إلى الظلام من القتلى ما طبق وجه الأرض دما ، بحيث إن الدواب كانت تطبع فيه ، حتى قيل إن الأمير النعمان بن مقرن زلق به حصانه في ذلك الدم فوقع وجاءه سهم في خاصرته فقتله ، ولم يشعر به أحد سوى أخيه سويد ، وقيل نعيم ، وقيل غطاه بثوبه وأخفى موته ودفع الراية إلى حذيفة بن اليمان ، فأقام حذيفة أخاه نعيما مكانه ، وأمر بكتم موته حتى ينفصل الحال لئلا ينهزم الناس . فلما أظلم الليل انهزم المشركون مدبرين وتبعهم المسلمون وكان الكفار قد قرنوا منهم ثلاثين ألفا بالسلاسل وحفروا حولهم خندقا ، فلما انهزموا وقعوا في الخندق وفي تلك الأودية نحو مائة ألف وجعلوا يتساقطون في أودية بلادهم فهلك منهم بشر كثير نحو مائة ألف أو يزيدون ، سوى من قتل من المعركة ، ولم يفلت منهم إلا الشريد . وكان الفيرزان أميرهم قد صرع في المعركة فانفلت وانهزم واتبعه نعيم بن مقرن ، وقدم القعقاع بين يديه وقصد الفيرزان همدان فلحقه القعقاع وأدركه عند ثنية همدان ،
--> ( 1 ) في الطبري : الرياح .